ابن عبد البر

265

الاستيعاب

الجلاس بن سويد ممّن تخلف من المنافقين في غزوة تبوك ، وكان يثبط الناس عن الخروج ، فقال : والله لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمر [ 1 ] . وكانت أمّ عمير بن سعد تحته ، وكان عمير يتيما في حجره لا مال له ، فكان يكفله ويحسن إليه ، فسمعه عمير يقول هذه الكلمة ، فقال عمير : يا جلاس ، والله لقد كنت أحبّ الناس إليّ ، وأحسنهم عندي يدا ، وأعزّهم عليّ أن يدخل عليه شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لأفضحنّك ، ولئن كتمتها لأهلكنّ ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى . فذكر للنّبيّ صلى الله عليه وسلم مقالة الجلاس ، فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الجلاس ، فسأله عما قال عمير . فحلف باللَّه ما تكلَّم به قطَّ ، وإن عمير الكاذب ، وعمير حاضر . فقام عمير من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : اللَّهمّ أنزل على رسولك بيان ما تكلَّمت به ، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم : يحلفون باللَّه ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر . . . الآية . فتاب بعد ذلك الجلاس ، واعترف بذنبه ، وحسنت توبته . قال : وحدثني عبد الحميد بن جعفر ، قال حدّثنى أبى ، قال : قال الجلاس . أسمع الله وقد عرض [ 2 ] عليّ التّوبة ، والله لقد قلته وصدق عمير ، فتاب وحسنت توبته ، ولم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير ، فكان ذلك مما عرفت به توبته .

--> [ 1 ] في ى : الحمير . [ 2 ] في م : عزم .